فخر الدين الرازي
133
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالاََرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) * . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد ، والمعاد أقسم قسماً آخر ، أما قوله : * ( والسماء ذات الرجع ) * فنقول : قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجيء ويتكرر . واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن الرجع ليس اسماً موضوعاً للمطر بل سمي رجعاً على سبيل المجاز ، ولحسن هذا المجاز وجوه أحدها : قال القفال : كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل الحروف به ، فكذا المطر لكونه عائداً مرة بعد أخرى سمي رجعاً وثانيها : أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض وثالثها : أنهم أرادوا التفاؤل فسموه رجعاً ليرجع ورابعها : أن المطر يرجع في كل عام ، إذا عرفت هذا فنقول للمفسرين أقوال : أحدها : قال ابن عباس : * ( والسماء ذات الرجع ) * أي ذات المطر يرجع لمطر بعد مطر وثانيها : رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالاً بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعاً ، أي تعطيه مرة بعد مرة وثالثها : قال ابن زيد : هو أنها ترد وترجع شمسها وقمرها بعد مغيبهما ، والقول هو الأول ، أما قوله تعالى : * ( والأرض ذات الصدع ) * فاعلم أن الصدع هو الشق ومنه قوله تعالى : * ( يومئذ يصدعون ) * ( الروم : 43 ) أي يتفرقون وللمفسرين أقوال قال ابن عباس : تنشق عن النبات والأشجار ، وقال مجاهد : هو الجبلان بينهما شق وطريق نافذ . كما قال تعالى : * ( وجعلنا فيها فجاجاً سبلا ) * ( الأنبياء : 31 ) وقال الليث : الصدع نبات الأرض ، لأنه يصدع الأرض فتنصدع به ، وعلى هذا سمي النبات صدعاً لأنه صادع للأرض ، واعلم أنه سبحانه كما جعل ، كيفية خلقة الحيوان دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد ، ذكر في هذا القسم كيفية خلقة النبات ، فالسماء ذات الرجع كالأب ، والأرض ذات الصدع كالأم وكلاهما من النعم العظام لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء من المطر متكرراً ، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك ، ثم إنه تعالى أردف هذا القسم بالمقسم عليه فقال : * ( إنه لقول فصل ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذا الضمير قولان : الأول : ما قال القفال وهو : أن المعنى أن ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم في اليوم